الرئيسية / الدراسات / تحليل

تحليل معمّقشؤون أمنية واستخبارية

الصقور والمخابرات.. عشرون عاماً من الصراع الخفي داخل الدولة العراقية

علي الشمري بقلم: علي الشمري
مدير قسم شؤون الجماعات المسلحة
تموز 2026 زمن القراءة: 7 دقائق

من اللواء محمد الشهواني إلى أبو علي البصري، تتقاطع سيرة الأجهزة الاستخبارية العراقية بعد 2003 مع خطوط الصراع السياسي والنفوذ الخارجي، لتروي قصة عشرين عاماً من التنافس الخفي داخل بنية الدولة نفسها.

الشهواني.. البداية من بوابة الاحتلال

بعد انهيار نظام صدام عام ٢٠٠٣ اختارت أمريكا اللواء محمد الشهواني لقيادة جهاز المخابرات العراقي الجديد. كان الشهواني ضابطاً من الموصل خدم في المؤسسة العسكرية للنظام السابق قبل أن ينخرط في تعاون طويل مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA ويشارك في التخطيط لإحدى المحاولات الانقلابية الفاشلة ضد صدام ما اضطره الى مغادرة العراق قبل عودته بعد الغزو الأميركي.

يصعب فهم تاريخ جهاز المخابرات بعد ٢٠٠٣ وبعض الإشكاليات التي تخصه أو حتى صعود أبو علي البصري وخلية الصقور لاحقاً من دون التوقف عند شخصية الشهواني. فمنذ تسلمه المنصب دخل في صدامات متواصلة مع القوى السياسية الشيعية آنذاك بما فيها أحمد الجلبي الذي كان ينظر إليه باعتباره حليفاً لأمريكا رغم تحوله الى ما يشبه الحليف الخصم بسبب اتهامات بامتلاكه علاقات وثيقة مع الإيرانيين ودعم الفصائل والقوى الشيعية المسلحة وخلافه مع وكالة الاستخبارات الأميركية. وبلغ الخلاف بين الطرفين حد اقتحام مكتب الجلبي عام ٢٠٠٤ بمشاركة عناصر أميركية.

كما لم يخضع الشهواني لرغبات حكومة نوري المالكي وبقي محصناً بالدعم الأميركي حتى خروجه من الجهاز عام ٢٠٠٩. وبالنسبة للمالكي كانت المشكلة الأساسية أن جهاز المخابرات عملياً لم يكن خاضعاً لسلطته السياسية. ومن هنا بدأت فكرة بناء مسار استخباري موازي أكثر ارتباطاً بمكتب رئيس الوزراء فكانت ولادة خلية الصقور الاستخبارية عام ٢٠٠٦ بقيادة أبو علي البصري.

بالنسبة للمالكي كانت المشكلة الأساسية أن جهاز المخابرات عملياً لم يكن خاضعاً لسلطته السياسية.. فكانت ولادة خلية الصقور

البصري.. صعود من خارج المؤسسة

ينتمي أبو علي البصري الى خلفية مختلفة تماماً عن الشهواني. فقد كان من كوادر حزب الدعوة وعاش سنوات طويلة في المنفى انتهت باستقراره في السويد قبل أن يعود الى العراق بعد ٢٠٠٣. وسرعان ما بدأ يلفت الأنظار من خلال ملفات أمنية معقدة عجزت جهات أخرى عن تفكيكها.

كان أحد أبرز هذه الملفات التحقيق في تفجير فندق القناة ببغداد عام ٢٠٠٣ وهو الهجوم الذي ظل لسنوات يكتنفه الغموض. استهدف التفجير مقر الأمم المتحدة وأسفر عن مقتل المبعوث الأممي البرازيلي سيرجيو فييرا دي ميلو الى جانب عدد من موظفي المنظمة الدولية. وقد شكل الهجوم نقطة تحول مهمة إذ دفع الأمم المتحدة والعديد من المنظمات الدولية الى تقليص وجودها أو الانسحاب من العراق. في تلك المرحلة وبعد سنوات من العمل الاستخباري تمكنت خلية الصقور من تحديد هوية أحد العناصر الرئيسيين المرتبطين بالتخطيط للهجوم وهو طيار مدني سابق ينتمي لتنظيم الزرقاوي.

اعتقال مناف الراوي.. الإنجاز الذي غيّر المعادلة

لكن الإنجاز الذي رسخ مكانة البصري كان اعتقال مناف الراوي عام ٢٠١٠ وهو والي بغداد في تنظيم دولة العراق الإسلامية وأحد أخطر القيادات التكفيرية في تاريخ العراق. احتفظت خلية الصقور باعتقال الراوي بسرية تامة حتى عن الجانب الأميركي واستثمرت التحقيق معه للوصول الى معلومات قادت الى تعقب زعيم التنظيم أبو عمر البغدادي ووزير حربه أبو أيوب المصري.

إلا أن السرية لم تستمر طويلاً. فبعد اعتقال شقيق مناف من قبل القوات الأميركية كشف الأخير أن شقيقه محتجز لدى السلطات العراقية ما أدى الى اطلاع الأميركيين على العملية الجارية للقضاء على البغدادي والمصري في صحراء سامراء. ومنذ تلك اللحظة بدأت تتشكل أولى ملامح التوتر بين البصري والأميركيين الذين لم يكونوا مرتاحين لوجود جهاز أمني عملياتي يعمل خارج نطاق التنسيق المباشر معهم.

كما كانت خلية الصقور أول جهة تتعرف على هوية أبو بكر البغدادي بوصفه زعيماً جديداً بعد مقتل أبو عمر البغدادي عام ٢٠١٠ اعتماداً على اعترافات أدلى بها أحد أقارب الأخير. وخلال السنوات اللاحقة لعبت الخلية دوراً مهماً في إضعاف تنظيم دولة العراق الإسلامية قبل تحوله الى داعش ثم في استنزافه خلال مرحلة صعوده اللاحقة.

احتفظت خلية الصقور باعتقال الراوي بسرية تامة حتى عن الجانب الأميركي.. ومنذ تلك اللحظة بدأت تتشكل أولى ملامح التوتر

2021.. فصل متأخر من صراع قديم

استمر البصري في قيادة خلية الصقور حتى عام ٢٠٢١ عندما أُبعد عن منصبه عقب تفجير ساحة الطيران في بغداد. وجاء القرار بأمر الكاظمي الرئيس السابق لجهاز المخابرات وهي خطوة فسرت باعتبارها فصلاً متأخراً من الصراع التاريخي بين جهاز المخابرات وخلية الصقور أكثر من كونها مجرد استجابة لاعتبارات أمنية آنية وقد أشارت صحيفة ميدل إيست آنذاك الى أن الكاظمي استغل حادثة ساحة الطيران لتصفية حسابات قديمة وتنفيذ هذا الإجراء.

اليوم.. الجدل ذاته يعود إلى الواجهة

واليوم ومع إبعاد البصري من جهاز الأمن الوطني أيضاً يعود الجدل ذاته الى الواجهة. فهناك من يرى أن ما يجري ليس مجرد تغيير إداري اعتيادي بل امتداد لصراع قديم بين شبكات أمنية متنافسة داخل الدولة العراقية. وتزداد هذه القراءة حضوراً في ظل تقارير إعلامية ربطت موجة الإقالات الأخيرة بأجواء سياسية رافقت زيارة المبعوث الأميركي توم باراك وما تردد عن وجود اعتراضات أميركية على بقاء بعض الشخصيات الأمنية في مواقعها.

لذلك ووفق هذا السياق فإن إقصاء البصري لا يقرأ بوصفه قراراً إدارياً فحسب بل باعتباره حلقة جديدة من سلسلة طويلة من الثأر المؤجل. كما أنه جاء متزامناً مع حملة اجتثاث لمسؤولين ينظر إليهم على أنهم خارج دائرة القبول والرضا الأميركي.

علي الشمري
عن الكاتب

علي الشمري

مدير قسم شؤون الجماعات المسلحة في مركز المدار للدراسات. باحث متخصص في شؤون الفاعلين المسلحين من غير الدول وبنية الأجهزة الأمنية العراقية، ويشرف على إصدارات القسم من الدراسات المعمّقة وتقديرات الموقف.

تابع إصدارات المدار. اشترك بالنشرة البريدية لتصلك التحليلات وتقديرات الموقف فور صدورها.

اشترك بالنشرة

© 2026 مركز المدار للدراسات — جميع الحقوق محفوظة